الأحد، 8 يناير 2012

الصورة أم البرواز ؟!




خارج البرواز  :

من المعروف أن كل سياسة لها معطياتها ... دستور ، مجلس تشريعي ، نواب ، برلمان ، رئيس وزارة ، رئيس جمهورية ... الخ .
لكن كل هذه ما إلاَّ إطارات لصورة كبيرة أسمها (العملية السياسية)، ولقد تخبطت بلادنا عبر عام (2011) [ وأنا أكتب الآن هذه الكلمات ] في فوضى من الإطارات حاول الجميع –كل بطريقته – أن يضع برواز لصورة سياسية حقيقية لكن تغيرت الوزارة عدد من المرات ... تغيرت المواقف بين الكتل والأحزاب في حركة مد وجزر لم يسبق لها مثيل ... فما الحل ...!?
أين الصورة ..هاتوا الصورة ، ثم ضعوا البرواز ... لكن إذا لم نعثر على الصورة فما لزوم البرواز !؟ لن يعجب البرواز أي متفرج ببساطة ليس لمشكلة في البرواز لكن الجميع يعرف أن الصورة غير موجودة ، ولا توجد قيمة لبرواز بدون صورة ... ؟!    
إن هذا يأخذنا لجدلية الصورة و الإطار (البرواز ...  
·        إن الإطار يحمي الصورة : ربما من بصمات الأصابع ، ومن أن تتمزق إذ أمسك بها أحدهم بإهمال.
·        ثم إنه يحدد مساحتها فمساحة الصورة تعرف بحدود إطارها ..
·        ثم إنه أيضاً يزيد جمالها فبدون شك هناك من تخصصوا في صنع البراويز بكافة أشكالها وأحجامها وألوانها لتناسب نوعيات الصور
·        ثم أخيراً لكي يكون آداة التعامل مع الصورة ، فأنت لا تستطيع أن تمسك بالصورة ذاتها ، لكنك دائماً ما تمسك بالبرواز من الخارج
إن هذه الأسباب الأربعة هي ما جعلت البرواز شيء مهم ... لكن –مع
هذا كله - يجب ألا ننسى أيهما أهم : البرواز أم الصورة !؟
·        إن كل قيمة البرواز في الصورة التي يحتضنها فيحافظ عليها... ويجملها ويعطيها مساحة بين الأشياء، ويساعد على الإمساك بها دون أن تتأثر أو تتمزق ... لكن ماذا لو كانت الصورة أكبر من البرواز.. أنستغني عن الصورة لكي نتمسك بالبرواز مفرغاً أم نستغني عن البرواز لنتمسك بالصورة بحرص، قبل أن نبدأ في البحث لها عن برواز آخر؟
لقد وضع الله كل صورة في الأساس داخل برواز مناسب لها بشرط أن يتمتع هذا الإطار بكل المواصفات السابقة، لكننا للأسف بعد الخطية وبعد أن تشوهت الصورة الإلهية ، لم نجد أمامنا سوى البرواز كذكرى للصورة ..


القصة عندما بدأت :
كان آدم على صورة الله، وكان برواز هذه الصورة هو الجنة ، وهو الزواج ، كلها كانت براويز للصورة التي خلقها الله (آدم) ... وكلنا نعرف أن آدم أبونا أخطأ ، فهل ظلت الصورة بجمالها ؟ مطلقاً ... فبعد الخطية تشوهت الصورة وانكسر البرواز الداخلي أولاً .. لقد طرد آدم (الصورة) من الجنة (البرواز الخارجي) ... بعد ذلك بقليل بدأت الشروخ تحدث في البرواز الداخلي (الزواج) عندما تعددت الزوجات (تك4) ثم انكسر البرواز تماماً عندما اختصر الزواج لعلاقة جنسية بعد هذا بقليل (تك6) ... فإذا فسدت الصورة الأصلية (أي آدم) فلا قيمة لأي برواز يمكن أن يحتوي هذه الصورة ...
مئات أخرى من السنين وقرر الله أن يتعامل مع شعبه ، واختار الشعب أن يعبد الله وقد كانت هذه هي صورة جديدة ، و أضرم الجبل بالنار من حضور الله، وكان البرواز هو لوحي الشريعة، وتابوت العهد، وخيمة الاجتماع، والطقوس والأعياد ولبس الكهنوت الخ... لكن مرة أخرى ترك الشعب الصورة الحقيقية وهي عبادة الله من كل قلوبهم ... ومرة أخرى تغيب الصورة ولابد بعد غياب الصورة من أن ينكسر البرواز : أُخذ التابوت لأرض الفلسطينيين، و تهدم الهيكل الخ.
فماذا يفعل الناس عندما تتمزق الصورة أو تتشوه ؟
العادة السيئة عندنا هنا أن نتمسك بالبرواز.. ونبالغ في الحفاظ عليه ... ومع الوقت يحل البرواز محل الصورة ...
مع مرور الوقت تصير الصورة برواز والبرواز صورة ، فالسبت الذي كان برواز حول صورة الإنسان ليقدم له الراحة والعبادة صار هو الصورة نفسها، وصار الإنسان (الذي كان هو الهدف الأساسي للسبت ) هو مجرد برواز للسبت !! وصار أي إنسان ( صورة ) يتجرأ ويكسر السبت ( البرواز ) يجب أن يحاكم !! وبنفس الطريقة صار الجسد (البرواز الطيني للإنسان من الخارج) هو كل كيان الإنسان، وصارت روح الإنسان ( الصورة الحقيقية الداخلية ) هي برواز للإنسان، فالإنسان الذي لا يهتم بطريقة حياته من النواحي الجسدية لكي يعيش الحياة الروحية الحقيقية يقال أن هذا الشخص روحاني : ويقصد بهذا أنه يحيا على هامش الحياة ، على البرواز وليس في الصورة ...        
وبنفس الطريقة : صارت الطقوس (التي معناها: أنظمة العبادة) هي العبادة نفسها ... وما أبعد الفرق !! بين برواز الصورة وبين الصورة نفسها ... ففي كل مرة يحضر الله أثناء عبادتك ، وتحدث تأثيرات معينة لك في حضوره ، تبدأ بعد ذلك تترك طلبك لحضوره وتبحث عن المؤثرات التي رافقت حضوره .. فيغيب حضوره ثناء البحث عن طريقة ما أو أسلوب معين ، وتتحول العبادة بعد ذلك لعبادة الطريقة وليس طريقة للوصول إلى إله يقبل ويتفاعل مع كل الطرق ... إن العبادة في ذاتها يمكن أن تتحول لبرواز ثقيل جداً وضخم جداً وحساس وهش جداً والمشكلة أننا نطالب الناس أنتحمله معها أينما ذهبت، ثم تبدأ طوال الوقت تطالبه أن يحافظ على هذا البرواز، وكثيراً ما ينظر الإنسان داخل البرواز لعله يجد أي حقيقة، أو أي شيء فلا يجد شيئاً، وينتظر الإنسان لعل أحدهم يأتي له بصورة حقيقية من أي مكان لتناسب البرواز الثقيل، فلا يجد سوى طلاسم لا معنى لها.. إن الاجتماع الروحي في المكان والزمان والخدام والمنشدين والعازفين هو ليس أكثر من برواز، للتلامس مع حضرة الله الروحية !! لكن كم من مرة خرجنا لنسأل بعد أن حملنا برواز (العبادة الشكلية) ترى أين كانت الصورة الحقيقية ؟! عما تكلم الله إلى قلوبنا اليوم ؟! وإذا لم نجد الرد، فعذراً ، تاريخ الإنسان كله متخصص في صناعة براويز بلا صور، لكن إله التاريخ هو الوحيد الذي يصنع الصور الحقيقة ... ولا يبال بالإطارات ...
لكن كم شوهنا حقيقة و معنى الميلاد طلباً لبهجة الكريسماس ، كم تجاهلنا قوة العبادة في حفاظنا على العادة .. وهؤلاء هم متدينون اليوم " لهم صورة التقوى (البرواز الشكلي الخارجي للتقوى ) لكنهم ينكرون قوتها ".
إنه إذاً الخوف من تحطم البرواز ... إنه الخوف من عدم الولاء للبرواز، هو الذي جعل الناس في حرب من أجل البرواز. ونحن ضحية بروايز معظم الأحيان !
لهذا كانت خطة الله استعادة الصورة !! استعادة الحقيقة لمكانها !!
ولكن هنا أيضاً بدأت المشكلة ، كيف يتعامل الله مع البرواز الذي صار بالنسبة لنا هو الصورة ؟!


الصورة الأخيرة
إن البرواز الطبيعي الإلهي لولادة أي إنسان على الأرض هو الزواج ، لكن هذا البرواز يصلح لوضع مزيد من الصور البشرية المشوهة بالخطية، فداوود يقول "هاأنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي" والله يريد أن يستعيد صورة لإنسان بلا خطية، إذاً لابد له أن يتعامل مع البرواز ... وما هو البرواز  (الزواج) ..
هل رفض الله الزواج؟!
مطلقاً ؟!
فالكتاب بكل وضوح يؤكد على شرعية الزواج كأهم برواز لصورة حقيقية، ويوصي بولس (ليكن الزواج مكرماً) ، لكن نحن الآن نتكلم عن حالة استثنائية جداً جداً .. حالة صورة لابد لها من أول لحظة أن تكون خارج كل الإطارات التي تحولت مع مرور الوقت لصور كاذبة ، صورة تطلب بعد ذلك إطارات جديدة ...
لهذا يقول الكتاب أن مريم كانت فتاة عذراء .. وأنها كانت مخطوبة ... معنى هذا أن البرواز (الزواج) كان موجود لكنه لم يكن كاملاً... لقد كانت هناك فرصة هنا أن يتدخل الله قبل أن يكتمل البرواز ويتحول إلى صورة جديدة مشوهة .. كيف !؟ لو اكتمل وضع البرواز (الزواج ) لكانت النتيجة هي إنسان (صورة) لكن أي إنسان يولد من زواج كهذا سيولد صورة مشوهة كقول داوود ( ها أنا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي ) .. لقد اتخذ من رحم مريم مقراً لصورة إلهية إنسانية ... كيف ؟! لا يمكننا أن نفهم قدر ما يمكننا أن نقبل أن هذه مساحة من التدخل الإلهي التي ليس من المستطاع أن نتدخل فيها ... لقد بدأ الله – وهو على كل شيء قدير - في رسم صورة لجنين عجيب قبل أن يكون هناك أي برواز، لقد بدأ من لحظة حبل مريم بتكوين الصورة الحقيقية الصورة التي اكتملت في الصليب، وصار التعامل مع البرواز الخارجي (المتمثل في نظرة الآخرين بدءاً من يوسف خطيبها [حامي البرواز]، نهاية إلى من صلبوا المسيح) أمراً يحتاج لبعض الوقت ..
لقد فقد الإنسان الأول ( الصورة الأولى ) الحياة في روحه ... لهذا فقد قرر الله أن يأتي كإنسان من أول لحظة يحمل الحياة في روحه ، وهذا واضح من كلام الملاك للمطوبة العذراء مريم " الروح القدس يحل عليك"
أي أن الله قرر أن يخترق المشهد بصورة روحية تكسر البرواز الجسدي الطبيعي أولاً ، ثم تعيد بعد ذلك لبرواز الجسد -الذي فسد- روحانية الصورة الإلهية الأولى، وقد كان هذا الصورة الإلهية المتجسد هو أفضل من كل براويزنا التي زادت من تشوه كل صورة وضعناها فيها  ..
إنك إذا بحثت في كل إصحاح في الأناجيل ترى المسيح يكسر بروازاً ويضع صورة .. ويضع المستمعين أمام اختيار صعب: صورة بدون برواز أم برواز بدون صورة .. !؟

·        ابن الله بدون أب بشري ، أم آباء بشريين بدون ابن الله؟
·        حبل بلا زواج ، أم زواج وحبل وأجنة مولودة بالخطية؟  
·        حضور الله في بشر يبدو عليهم أنهم سكارى أم كهنة يعرضون عمائمهم وأذيال ثيابهم بدون حضور الله؟  
·        كاهن صامت في الهيكل أم صوت صارخ في البرية ؟!
·        ابن عظيم وأم بسيطة ، أم أُم عظيمة وأبن بسيط !!
·        صليب ذهبي بدون مسيح، أم مسيح مصلوب والصليب من خشب؟
·        ذبيحة تعطل عمل الرحمة أم رحمة قد تعطل تقديم ذبيحة !؟
·        قراءتنا للكتاب المقدس أم فحص الكتاب المقدس واختراقه لنا !؟
·        تعب الخدمة أم المحبة الأولى !؟
·        هدية الميلاد أم مسيح المزود؟!
·        مزود التاريخ المزين بالأنوار أم قلب مُخلِص نادم على الأقذار ؟!
·        بحث الرعاة الفضولي أم سجود المجوس المتعبد !؟
·        ربح العالم وخسارة النفس أم ربح النفس وخسارة العالم ؟!
·        الطريق الضيق والنهاية الرحبة أم الطريق الرحب والنهاية الرهيبة !؟
·        العبادة أم الحب ؟!
·        معرفة بدون حياة أم حياة تنبع بالمعرفة ؟!
·        هيكل التجار أم بيوت الأبرار ؟!
·        القربان أم الاحترام ؟!
·        تفرغ الوقت أم تفرغ القلب !؟
·        ترك علاقة نجسة ظاهرياً أم الطهارة قلبياً ؟!
·        ترك الثلاثين من الفضة على أرضية الهيكل أم التوبة عن محبة المال ؟!
·        وضع الولائم أمام المسيح أم سكب الدموع وغسل قدميه ؟!
·        جرة بدون ماء ، أم ماء بدون جرة !؟ (يوحنا 4  : السامرية )
·        الإنسان للسبت أم السبت للإنسان ؟! ( مر2 )
·        خبز بدون طاعة أم طاعة بدون خبز ؟! ( مت 14- مت 4)
·        مجد بدون ألم أم ألم يقود للمجد ؟! ( هيرودس الذي ضربه الدود – أم المسيح المصلوب ) 
·        حق بدون نعمة أم نعمة فوق نعمة ؟  ( يو1 موسى  – المسيح )
·        .... كلها صورة وبروايز ...     

    
الخلاصة :
الصورة هي المسيح (كو ) إنه الحقيقة الأخيرة التي صورت وقدمت لنا الجوهر الإلهي الغير منظور والغير مدرك، إنه أيضاً الصورة التي
تمخض بولس ليصير المؤمنين مثلها ، والتي يصر الله على نفس الهدف من تبنينا (  )، وكل ما يتعلق بهذه الصورة ما إلاَّ برواز من المزود إلى الصليب ، ولتتأكد من كلامي :
افصل المسيح عن الصليب يتحول الصليب لأبشع آداة إعدام، افصل المسيح من المزود يعود لمكان تملأه البهائم، افصل المسيح عن أي طقس يتحول الطقس إلى ثقل ... افصل المسيح عن العبادة ، تتحول إلى وثن ... أفصله عن بولس أو عن بطرس أو عن مريم أو عن أي قديس أو شهيد تحصل على أبطال تاريخيين طواهم التاريخ وحسب ..
أمامك اختياران كلاهما له نتائجه وتكلفته : الصورة و البرواز !! الجوهر و الشكل !؟ ومع أن الاثنان لا يتعارضان في وجودهما مع بعضهما البعض ، لكن الذي يصنع الفرق هو لمن منهما تعطي الأولوية !!
إن صورة الله هي التي تحمي أي برواز البشري وهذا هو الفرق ، فكل براويز الإنسان لا تستطيع أن تحمي جزء من الصورة  الإلهية !!
تماماً كما حمى المسيح جسد مريم وقدسه عندما تجسد فيه !!
و صورة الله أيضاً هي التي تعطي للبرواز البشري قيمة !!
إن صورة الله هي التي تجعلك تعرف حدود البرواز!!
فعلى قدر عظمة الصورة يجب أن تكون بساطة البرواز .. فصورة الله هي التي تعطي للبرواز جماله !! فكم يمتلئ التاريخ من عذارى، لكن أياً منهن كانت كمريم العذراء ؟!
والعكس صحيح :  
فالبرواز البشري وحده يؤثر سلباً على الصورة الإلهية !! فمن صلبوا المسيح لم يكونوا سوى أشخاص أخلصوا لبرواز اسمه موسى ؟! ...
إن البرواز البشري يقل من قيمة الصورة، إذا ما فكر أحدهم أن يساوي بين القيمتان !! فأيهما أثمن هيكل الله، أم إله الهيكل ..؟! إن هيكل الله بدون إله الهيكل هو " مغارة لصوص " !!
إن البرواز البشري يقيد حرية الصورة، لأنها صورة متحركة، متسعة، منتشرة إذا ما أردنا أن يظل هو الحدود التي تحميها !!


كلمة السر للحضور الإلهي :
        1-  (أرجع إلى أورشليم )   
تقول عروس النشيد معبرة عن حالة اكتئاب شديدة أنها طلبت أن ترى من تحبه نفسها في فراشها لكن تقول " طلبته فما وجدته " (نش1:3).. استدعى الأمر أن تطلبه في الأسواق وفي الشوارع .. لكنها أيضاً طلبته وما وجدته .. إننا مرات نشترك معها في هذا الطلب لمن تحبه نفوسنا في مخادعنا وقت الخلوة ولكننا لا نعرف لماذا لا نجده ... تكون النتيجة المزيد من البحث عنه خارجاً في الخدمة وفي الاجتماعات ... لكن يبدو مرات كما لو كان حضور الله قد تبخر من حولنا ...
ولم تكن هذه حالة عروس النشيد في نشيدها ، لكن كان هذا لسان حال آخرين كثيرين في أعياد، وأفراح وأتراح ... سنأخذ منهم هنا على سبيل المثال : مريم ويوسف النجار ... أقرب وأول من تمتعوا بمرافقة المحبوب يسوع :
يخبرنا ( لو2) أن مريم ويوسف ذهبا مع المسيح إلى أورشليم لقضاء العيد ... وبعدما سارا في طريق العودة لمدة يوم ، اكتشفا أن الصبي يسوع ( وكان عمره 12 ربيعاً ) وقتها ... ليس هناك ... وليس أيضاً مع الرفاق ...  
وهكذا بدأ الطعم المر للفراق يجتاز في قلب الأم الغالية ، كم عانت مريم ويوسف بعد صعودهما للعيد في أورشليم وعودتهما وإذ بهما يكتشفان أنهما قد فقدا يسوع .. 
عبرت عنها في كلمة واحدة ثقيلة " كنا أنا وأبوك نطلبك معذبين " ، كم هي  حالة مرة تلك التي تحول إليها العيد في حياة مريم الأم العظيمة ، ويوسف الرجل التقي ... لقد ذهبا لأورشليم يصطحبا يسوع ... لكنه اختفى بعد العيد ... ربما أثنائه دون أن يشعر به أحد .. لماذا !؟ هل كان يعاقبهما على خطأ ما !؟ هل كان جعلهما الانشغال بالعيد وزحمته ينسيان أن يمسكا جيداً وسط الزحام بيده ؟! هل كانا لا يريدان أن يحجرا على رفقته بأصدقائه، فتركاه معهم فتركهم ؟! ... لا تعنيني الأسباب ، فالعبرة بالنتائج .. النتيجة أنه اختفى !! وأنهما سارا بدونه " مسيرة يوم " لكنهما عادا هذا اليوم في ثلاثة أيام معذبين .. يا للخسارة ، والحيرة والأسف  !!
إن هناك كلمة سر في استعادة يسوع المفقود في الزحام ، في زحام حياتنا ومشاغلنا، في زحام برامج انجازاتنا، وخداع مظاهر عبادتنا وأعيادنا ... إن الحل في كلمة " رجعا إلى أورشليم " ..
كان من الممكن أن يفكرا معاً أن مشوار العودة للبحث عنه يمكن أن يؤجل لعله يعود من نفسه ، كان يمكن أن يقولا بما أنه ابن الله فلا يمكن أن يتركهما هكذا فمن المؤكد أنه لن يتوه عن عنوان بيته ... كان من الممكن أن يصرفا الوقت في الحديث عن ذكريات العيد، ويشغلا نفسيهما بما حدث في العيد انتظاراً لعودة صاحب العيد ...لقد رفضا البدائل ...!! لقد عادا إلى أورشليم ... لقد رفضا أن تبتلع أورشليم يسوع في زحامها ، لقد كان يسوع شخصاً يملكانه ، لابد أن يبات معهما ، لابد أن يعود إلى بيتهما ، حتى وإن كان له بيت آخر كالهيكل ...
كانت لهفة مريم كبيرة عليه ، لقد نست ماذا يعني العيد ، ولم تبلع ريقها حتى رأته ، لم تسأله وقتها كيف كان يأكل أو أين كان ينام ؟ إن كل ما كان يشغلها فقط ... أنه الآن معها !! وفقط !
وعاد العيد للجميع ، عندما عادوا ليبحثوا عن صاحب العيد !!
حذار أن تنسى وأنت في أورشليم أنك قد أتيت هنا لا لتحتفل بمناسبة ، أو باجتماع أو بحدث إنما الذي أتى بك إلى هنا أنه معك ، وحذار أن تتركه من يدك قبل أن تغادر المكان ، فمشوارك بعيد عنه يوم ، سترجعه لتبحث عنه في ثلاثة أيام ...
هل تريد أن تبحث عنه الآن قبل الاحتفال بعيده ، أم يكفيك عيده وعطاياه ، بعيداً عن يده !! 

المشهد من العمق  "لأنه ليس كما ينظر الإنسان أنظر أنا"
هل سبق لك أن تقابلت مرة مع شخص يتميز بقدرة خاصة على قراءة شخصيات الناس بسهولة من اللقاء الأول ؟!
حدث هذا معي ، عندما رشحت – على غير عادتي – شخص ليرتبط بإنسانة كنت  أعرفها جيداً ... رتبت أنا وزوجتي اللقاء الأول بينهما .. كنا نثق في أن اختيارنا وترشيحنا هو الأمثل ... ودام اللقاء عدد قليل جداً من ساعات النهار، وعادت زوجتي مع صديقتها ، وعدت أنا معه !..
وكان اللقاء الأخير ... بينهما !!
لم يقتنع صديقي بالإنسانة التي أعتبرت أنها الأنسب له من كل النواحي ، إلى هنا والأمور طبيعية فعامل الارتياح الداخلي هو الأهم .. لكن الغير طبيعي والمدهش أنه بقدرة خاصة قرأ هذه الإنسانة بالكامل ، وخرج لي بتقرير غريب ، مثير عن شخصيتها وأسباب منطقية لرفضه أن يكملا المشوار معاً ...
اعتبرته مجافياً للحقيقة ...     
انتظرت حتى يندم على رفضه الارتباط بها، لكن ما أثبته لي الزمن بعد ذلك أن كل حرف قاله عنها في ساعات لقاءهما العابر كان حقيقياً مائة بالمائة  !!
واكتشفت أنه أنا الذي لم أكن أعرفها !!
ولم أعلم هل أحسده ، أم أرثي له ... فمثل هذا النوع من الشخصيات المحللة من المؤكد أنها لا تأخذ بالظاهر، لكن لها قراءة خاصة، غير التي نقرأها نحن في صفحات جرائد الواقع الكاذبة ، فمثل هذا النوع يعتمد على مصدر آخر في قراءة الأحداث ، وتحليل الشخصيات ... كان الله بعونه !!
لم يتعرف سوى على الحقائق ، ولأن الحقائق مرة ، جامدة ... فليعنه الله على تحملها !!  
ألا تتفق معي أن نظراتنا مرات كثيرة تكون مليئة بالشغف لكنها ليست مليئة بالحكمة ، ومرات أخرى تكون مشحونة بالأمل ، لكنها لم تمس القناعة، ومع أنها  ذات مدى بعيد في بعض الأحيان ، لكنها ليست عميقة ...
وفي المقابل لنظراتنا ، فنحن فلنتكلم إذاً عن نظرة الله الذي يرى ويدبر،فعيناه لا تنام فلا يهزمها الظلام، لكن عن خاصية أخرى في عينيه وهي " التمييز  ".

1-    يرى الاتضاع قبل الحالة :
قلوب كثيرة تخبئ إتضاعاً حقيقياً تحت قناع الثقة، بينما تتستر قلوب أخرى على  سرطان الكبرياء خلف إطار الاتضاع !!

الآية السابقة كانت تتكلم عن الله الذي يرى بتمييز ... وجاءت في مناسبة إختيار داوود كملك .. اختياره دوناً عن شاول ودوناًَ أيضاً عن أخوته .. ويا للغرابة والإثارة!
فشاول بدا في أول مشاهد حياته متواضعاً إذ اختبأ بين الأمتعة (        ) ، بينما بدا داوود الصغير في أول مشاهد حياته جسوراً متكبراً يتكلم عن إنجازاته ، ونزل ليحارب الفلسطيني أمام باقي الجيش ... لست أنا وحدي الذي أخذت عنه هذا الانطباع أسألوا ألياب أخيه " أنا علمت كبرياؤك وشر
قلبك " .. فكيف قيمت عين الله هذا المشهد ؟
لقد رأت عينا الله المتضع متكبر ، ورأت المتكبر متضع ... فالعبرة ليست بالمشهد الأول، الذي كثيراً ما بنينا عليه انطباعاتنا وكثيراً ما حصل الناس فيه على درجة امتياز في نظرنا .. لكنهم كانوا أكبر خيبة نظر لنا فيما بعد. 
العبرة بالمشهد الأخير ، بالفصل الأخير ، بالطبعة الأخيرة.
فالمشهد الأول حجر خام لكن بعد بعض الصقل ، والتلميع ، والتكسير ، والتهذيب ، والتقطيع ترى الرخام الغالي .. أو قد تمسك بالذهب الثمين ...
تعال للمشهد الأخير في حياة الاثنين .. كيف جاء التقرير عن شاول على فم صموئيل " أليس إذ كنت صغيراً في عيني نفسك صرت رأس أسباط إسرائيل ، .... فلماذا لم تسمع لصوت الرب ... هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة .... لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم .... " (1صم 17:15-23)
وتعال للتقرير الثاني الذي جاء على لسان ناثان النبي لداود " هكذا قال رب الجنود أنا
أخذتك من المربض من وراء الغنم لتكون رئيساً على شعبي إسرائيل " ( 2صم8:7) ... فماذا كان رد داوود على هذا الكلام " فدخل الملك داوود وجلس أمام الرب وقال. من أنا يا سيدي الرب وما هو بيتي
حتى أوصلتني إلى ههنا " (2صم18:7) !!
إن عين الله تميز شاول من قبل حتى أن يبدأ في المشهد الأول لقد أعطى عنه الله تقرير مطول ( أقرأ 1صم8 :10-18) حتى قبل أن يعرف الشعب اسمه ... ومعنى هذا أن عين الله لا تخطئ لأنها ترى النهاية من البداية ، ومن قبل البداية ..
إذ رفض الله شاول في حياتك ، لا تتضايق من فضلك ...
لا تشعر أبداً أنك خسرت هيبته ولا طول قامته ، ولا اتضاعه الظاهر ولا مسحته العابرة ( 1صم12:10) .. بل انتظر داوود ...
وإذ كنت ممن مضى أوان شاول في حياتهم، وشربوا من كأس اختياراتهم، لا تتضايق من داوود الذي يبدو صغير في عينيك ، كما كان في عيني أبوه ومن حوله (       ) لا تستبعده من احتمال تعويضك ...لا تفترض أن ترى عينا الله مثلما ترى عيناك ، بل صلي معي وقل
يا رب إني أقبل أن أكشف قلبي أمامك ...
وأعترف بعتمة تفكيري ، وقصر نظري وجهلي ...
إني أقبل نظرتك وتقييمك للأمور ، التي لم تخطئ فيها مرة واحدة ...
   

2- يرى الأشواق قبل الاستحقاق    
لا توجد قصة في العهد القديم في نظري أغرب ولا أعجب من بركة الله ليعقوب ! إنها لغز بكل المقاييس، الوراثة الطبيعية ضده فهو المتعقب الثاني وليس الأول، طبيعته الداخلية ضده، فهو المخادع المستغل للفرص، الآخرين ضده لابان وعيسو وغيرهم " وباركه الله".
في المقابل ترى عيسو الأخ الأكبر ، الممتلئ بالقوة ، الواثق من نفسه ، المحبوب من ابيه ، مرفوض أمام عينا الله ، ...
لماذا !؟ لأن يعقوب خلف كل خداع كان الله يرى فيه شخصاً باحثاً عن البركة، طلب البركة في حياته كان هو الأولوية الأولى ،مع أنه مرات طلبها بخداع ، مرات أخرى بحث عنها في ثوب الآخرين، مرات غير صوته ليأخذها ... ليس عنده مانع أن يهرب من أجلها ، وأن يسقط ، وأن يصارع ... البركة هي كل ما يطلبه قلب يعقوب!
لهذا حصل على البركة ، ودفع ضريبة الطريق الخطأ ، وعوضه الله عن سنوات ضياعه ، وباركه في آخر عمره كما لم يبارك إنسان !!
بينما كان الثاني –عيسو- " مستبيحاً " بمعنى أنه لم يوجد للبركة عنده تقدير، البركة شيء كمالي ، يباع ويشترى ، شيء يفك به رهنية مواقفه المؤقتة ...
لم يسلبه أحد البركة ، بل كانت البركة في حضنه إنما هو الذي باعها ...
لقد أحب الله يعقوب، من البداية ... لأنه رأى فيه الطبيعة التي تتسلق السور الفاصل للعودة إلى مكان البركة ، والشركة ، والعلاقة الحية ... ورفض الله عيسو
الذي قرر أن يتاجر في البركة ، فمع أنها كانت معه لكنه لم يأخذ منها شيئاً ...
اكشف قلبك الآن معي للرب :
يا رب ، كم من مرات بعت البركة الحقيقية من أجل أكلة ، من أجل علاقة عابرة..
يا رب كم من مرات كان الحكم علىَّ من ضميري هو حكمك على عيسو ألاّ ياخذ البركة مع إنه طلبها بدموع ...
يا رب إني أقف الآن في صف يعقوب ، الصغير ، المتعقب ...
إني أعترف إني لست كعيسو الكبير ، لكن أطلب البركة منك كيعقوب الصغير.


3- يرى الاستعداد قبل الانتصار             
في قصة اختيار الله للجنود المحاربين مع جدعون، لغز إلهي آخر !!
فهذا الرجل المحارب الذي سيعيد كتابة التاريخ بالنسبة لشعبه كان ينادي بتعبئة عامة للحرب !! كم جاء إليه من المحاربين !! 32 ألف .!! معقول ...
بارك الله فيما رزق !!
لكن لا، هذا الشعب كثير على الرب !!
الرب يعمل أول أختبار هيئة !!
اختبار الخوف !!
"من كان خائفاً ومرتعداً فليرجع وينصرف من جبل جلعاد "(قض3:7)
يعفى بعد هذا الاختبار 22 ألف ...
مصيبة !!
بلغ يا جدعون اعتذراك عن الحرب للأعداء !!
وتتضاعف الدهشة عندما لا يرضى الله بالعشرة آلاف المتبقيين، فيأتي لجدعون بثاني أختبار هيئة للباقيين ... وهو اختبار الاستعداد " انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك " ... (قض4:7) !
القصة موجودة بوضوح بعد ذلك في الأعداد من 5-7 من نفس الإصحاح السابق .
كيف ترى هذه العين !!
إنها ترى الانتصار التاريخي في يد ممتلئة بالماء وقدم نصف منتصبة ، إنها ترى الانتصار في شخص ليس كل همه وخوفه على ملذاته لكنه صاحب عين مفتوحة على المصادر التي يمكن أن تتسرب بسببها هذه الملذات أيضاً ...
ألا تراقب عين الله استعدادك لسنوات الجوع وأنت في عمق الشبع ...
ألا تراقب استعدادك للحصاد وأنت في زمن الزرع ... 
أو تراقب استعدادك للدخول في جولة جديدة في الصراع ، وأنت في نشوة الانتصار؟! تراقب أمانتك في المواقف الصغيرة، قبل امانتك في القرارات الكبيرة .
بناءاً على هذا يتم الدخول في موكب نصرته ..
بناءاً على هذا يتم التعرف على الأبطال !..


4- يرى المحبة قبل العطاء
في أحد العزومات ، قدم المضيف وليمة كبيرة ... وسكبت أحدى السيدات دموعاً قليلة !! قدم المضيف مكاناً واسعاً ، وقدمت السيدة طيباً من زجاجة صغيرة ...
فكيف جاء التقرير " ثم التفت (أي المسيح ) إلى المرأة وقال لسمعان: أتنظر هذه المرأة ؟! إني دخلت بيتك وماء لأجل رجلي لم تعط أما هي فقد غسلت رجليَّ بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها. قبلة لم تقبلني وأما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي ..... من أجل هذا غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً " (لو44:7-47) !!
يا للعين الفاحصة ، نفس الموقف الذي رآه الله قديماً ، نفس الفارق لم يتغير ... بين
من قدم من أثمار الأرض ، وبين من قدم من خيار الغنم ومن سمانها ..
بين من تعبت واهتمت في ضيافته بإعداد أطعمة كثيرة ، وبين من جلست عند قدميه غير مبالية بإعداد أطباق أكثر من إعداد قلبها ... وبدلاً من أن تقدم كأختها الأطباق إختارت وأخذت النصيب الصالح ...
كيف يرى الله !!
إنه لا يرى كم قدمت ، وأي نوعية ، وبأي ثمن !!
فبنك السماء الذي نودع فيه كنوزنا لا يتعرف على دولاراتك ، ولا جنيهاتك ، إنه يتعرف على نبضات قلبك الممتلئة بالحب لمن تقدم !!
فقد تكون فلسيك ( الفلس عملة متناهية الصغر) مع نبضات قلب كثيرة أكبر في
ودائعك من دنانير كثيرة وقلب بارد !!
الله لا يسمع شفتيك التي تنطق اسمه ، بل يبحث عن صورته في قلبك الذي قد يكون مبتعد عنه بعيداً ..
إنه لا يبحث عن شباك بطرس الممتلئة بالسمك ، سواء قبل يوم الخمسين أو بعده بل يبحث عن كلمة من فيض قلبه " يا رب أنت تعلم إني أحبك " ...
عندما تأتي المحبة العميقة من القلب ، تأتي البركات الوفيرة والاستخدام الوفير... لكن إن قدم الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر إحتقاراً، الأمر الذي كرره بولس في أنشودة المحبة الخالدة " إن أطعمت كل أموالي وإن أسلمت جسدي حتى
أحترق ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئاً " ( 1كو3:13) !!

5-           يرى الإيمان قبل الإعجاز :     
صرخ بارتيماوس فاقد البصر بشكل يخجل كل صاحب بصر ، فاقد للبصيرة ..
صرخ أكثر كثيراً، صرخ ليعترض الطريق، نادى المسيح بابن داوود ، فأخجل الذين مشوا في موكبه على أنه " يسوع الناصري " ... كان إيمانه طفولياً ، متطفلاً فأخجل منطق اللطفاء ، وحير ذوقيات العظماء ...
ووقف المسيح ...
وأمر أن ينادى إليه ...
فخلع صاحبنا الرداء !!
وتحرك بثقة ، غير مهتز ، غير مفاجأ بسؤال المسيح الذي لم يسمعه طيلة حياته –
كشحاذ- من إنسان " ماذا تريد أن أصنع بك ؟ " كان يتكلم بشفافية ،وكأنه يرى من لا يرى ...
تعجب يسوع ...
تعجب من إيمانه ، من إصراره ، من تضحيته برداءه الذي كان كل ما يملكه وآخر ما يعيقه ، تعجب من عدم خجله من عدم تراجعه، تعجب من صوت آخر غير الصوت المزعج الذي أعترضه من الخارج، من صوت آخر عذب تفجر من أعماقه كما يتفجر ينبوع عذب بارد وسط قيظ النهار في الصحراء .. تعجب عندما رأى إيمانه ...
بينما لم يستطع أن يصنع آية واحدة في أماكن أخرى لعدم إيمانهم ..
فعجزك ليس كبيراً على معجزة الإيمان !!
والمدة والمسافة والمكان كلها كباري صغيرة نحو المعجزة، يعبرها الإيمان ..
والله قبل أن يرى المعجزة القادمة في الطريق بيحث عن إيمانك ، عن إصرارك أن
تقف وسط المرآيين بشكل حقيقي كاشفاً ضعفك، و أن تعترض طريق المكتفين معبراً عن إحتياجك، وأن تستوقف العابرين اللاهين بشكل يعبر عن دهشتك واستفسارك ..
قدم للرب قلباً واثقاً يقدم لك الرب يداً ممدودة ، ومعجزة !!
قدم للرب تعبيراً بسيطاً عن انتظارك له، وله وحده ، يقدم لك الرب مجازاه علانية!
قدم للرب عنوانك ومحل إقامتك بالتفصيل ، يأتيك الرب في زيارة عاجلة !!
قدم للرب وجعك وتعبك دون أن تترك جزء من الرداء يستر جزءاً من رداءتك ،
بل تعال عارياً ومكشوفاً ... يسترك بظله ، وفي ستر جناحيه يحميك ...


6-           يرى التوبة الداخلية قبل التغيير من الخارج :
تحكي لنا القصة الشهيرة بـ"الأبن الضال " بعداً جديداً ...
" وإذ كان لم يزل بعيداً رآه أبوه " ... كيف كان حاله ، منكس الرأس ، مرتجف البدن، خائر الخطوات، خفيض البصر، منهك بسبب طول الرحلة، متوتر بسبب عمق التردد، ...
وهو في هذه الحالة الرهيبة رآه أبوه ...
كانت مشيته -في عين أبيه- لا تعبر عن مجرد شخص متراجع ، بل عن شخص عائد .
لم تكن نظراته تعبر عن شخص يشعر بالذل ، لكن عن شخص يشتهي أن يقف مرة جديدة ليرى نفسه في مرآة أبيه: بحلة جديدة ، بحذاء جديد ، بخاتم ..وبفرحة جديدة!
لو رأيته أنت أو أنا لقلت" عاد العاق" ، لكن هذه نظرة أبيه صرخت وقالت " عاد الضال" .. لو كنت رأيت هذا الابن في أثماله البالية لقلت " مات الذي كان حياً " ... لكن نظرة أبيه قالت عنه أنه " كان ميتاً فعاش " ...
إن تصرفاتنا ونحن في طريق العودة قد تكون ملطخة بالخسارة ، متعثرة ، غير منتظمة ، غير مستقرة ، غير مفهومة ، سيناريوهات متناقضة ، تراجع بعد تقدم ، ثم تقهقر ثم انسحاب ثم اعتراف ثم بكاء ...
لكنه وسط كل هذا يعرف أن يرى : يرى الجمال وهو يكسو كل طبقة رماد ...
يرى القوة تنبت في أرض الهزيمة، كما نبت شعر شمشون في رأس ذات عين مقلوعة !! يرى المحبة الجديدة الخالصة ، بعد زوال أسباب التبعية المغرضة كما حدث مع بطرس ...  
يرى القبس الباهت من النور الذي لا زال يشعل فتيل سراج قلب صموئيل، بعد أن
احترق باقي الفتيل كله في سراج عالي ...
   
7-           يرى التكريس قبل التقديس:
يستحضر الله لذهني أحياناً أسماء بعض الأفاضل في مجال الخدمة، وأجد نفسي قد سرحت بخاطري فيهم، ولشدة العجب أتذكر كيف أن (فلان) الذي بدأ مبكراً، والذي درس في الكلمة لساعات طويلة بشغف ، الذي كان الناس يتوقعون له مستقبل مبهر في الخدمة، كيف أن نوره بدأ يخبو بسرعة كبيرة، وفي ذات الوقت أتذكر أن واحداً آخر من الشباب يصغره بسنوات كثيرة ، لم يكن يلتفت أحد في البداية لخدمته أو لانتشاره هلنا عليه تراب الإهمال واللامبالاة ، لكن بدأ هذا الأخ في التقدم حتى انتشر على مستوى أعلى ، وأعمق من الأخ الأول ، وإلى اليوم في تقدم مستمر ...
هل يذكرك هذا الكلام بمثل آخر في الكتاب المقدس ... اثنين آخرين من الرسل ، بولس وبطرس ...  
فمع أن الترتيب معكوس لكننا إلى اليوم لا نستطيع أن نضعه في مكانه الصحيح ، أي أن نأتي ببطرس أولاً ثم بولس ... مع أن ترتيب بطرس التاريخي يسبق بولس بسنوات، مع أن إنجازات بطرس جاءت مبكرة جداً عن وجود بولس أساساً في الساحة. مع أن بطرس هو أول من فتح الباب ليدخل اليهود والأمم للملكوت ...
لكن بطرس لم يكتب في الوحي أي نسبة في مقابل ما بولس ، بطرس لم ينشر الكلمة في مساحة مثل التي تحرك فيها بولس ، بطرس رأى مجد المسيح هنا على جبل التجلي ، بينما بولس رأى المجد في السماء ، !! لماذا يتميز بولس في سباق الحياة الروحية عن بطرس ... أعود بك إلى الموقف الذي جاء في (غل2) والمواجهة بين بطرس وبولس ...
بطرس ينقاد إلى رياء لصالح اليهود ، فلا يرضي أن يأكل مع الأمم في وجود
اليهود ، يسمع بولس بالخبر يواجه بطرس علانية ، ويقاومه ... ويقومه ...
لقد وصل الحد لا إلى تفوق بولس الساحق ، لكن ويصير بولس اليهودي الأكثر تعصباً من بطرس ، هو من يقاوم التعصب في بطرس !!
     
في الحقيقة إن المشهد الذي أعتبره ويعتبره كثيرين المشهد الأكثر إثارة في العهد الجديد، هو لقاء المسيح بشاول الطرسوسي للمرة الأولى ...
لم يلتق به فاشلاً كما حدث في لقائه مع سمعان ، ولم يلتق به سائلاً كما حدث مع نقديموس، ولم يلتق به حالماً متمنياً كما حدث مع نثنائيل، ولم يلتق به عطشاناً متعطشاً كما حدث مع السامرية ... لكنه التقى به قائداً يسير برفاقه عكس الإتجاه .
من هنا تستنتج أنه لم يصادف الفشل كبطرس ، ولم يصادف الحيرة كنقيديموس، ولا اليأس كنثنائيل ، ولا الاحتياج كالسامرية .. باختصار لم تكن عنده فراغات تدعو المسيح للتدخل ...لا خلخلة في المسام يمكن للرب التسلل منها لقلب هذا العنيد شاول ... بل كان كتلة صماء متحركة، مغلقة في ذاتها ، مقتنعة بما تفعل ، مضحية لما تتمنى، قذيفة لا تعرف الانحراف عن الهدف ، لا وسيلة لايقافها أو لاختراقها !!
هذا ما نراه نحن !! لكن ما رأى الرب في هذا السهم الطائش !!
كان رأي الرب أن " هذا لي إناء مختار، ولا أجد غيره ليحمل أسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائيل ... "
لماذا !!
نسبة تكريسه عالية جداً !! مكرس !! مكرس لقضية !! لا يعرف الحيدان عنها !!
وماذا إذا كانت القضية – يا رب- أن يضطهدك !! ويقتل أتباعك ...!؟
لا يهمني نوع القضية !! ولا شرعيتها !! يهمني كيف يتعامل بقلبه معها !! ما مقدار تكريسه لها !!
ألا ترى أن هناك الكثيرين ممن يتبنون قضايا شرعية بطريقة كأنهم يتعاملون مع قضايا غير شرعية !!
وكثيرون رفضوا أن يكرسوا أنفسهم تماماً لقضايا تستحق التكريس، وباعو أنفسهم (قطاعي) لملاهي الحياة ، واشتروا بها غرور الغني وشهوات سائر الأشياء !!
كان شاول مكرساً ، واختار الله هذا القلب المخلص ، الموحد نحو اتجاه واحد بغض النظر إن كان هذا هو الاتجاه الصحيح أم الخطأ ... أشواق مشتعلة نحو رسالة محددة ، إن أقتربت منها اشتعلت بها ..
ونعود لبطرس، فكم من المرات كان من المفروض أن يكون النصيب الأكبر لصالح بطرس ، لكن تراجع بطرس في مواقفه حتى بعد الاستخدام الإلهي له في يوم الخمسين ، وانقياده إلى رياء اليهود، وعدم صلابته مع الحق ، جعلت بولس بلا منازع يتصدر المشهد .
قضية المسيح في قلبه ، اسم المسيح في عقله ، مشاعر المسيح فوق كل احباطاته، رسالة المسيح قبل أي قرار ، مجد المسيح فوق كل اعتبار !!
أعط الرب قلباً مكرساً كبولس في أي مجال ، يجعلك الرب عملاقاً وصانع تاريخ.
لا تعط الرب يداً مرتخية ، ولا عيناً ناعسة ، ولا قدم مترددة ، ولا عقل ذو رأيين.
     

8-           يرى الأمانة قبل المهارة :
هل يمكن أن تعتبر الأمانة مكسباً ؟!
لو كانت هكذا فلماذا لا يحبها الناس الذين يحبون المكسب !؟
ولماذا طمعاً في المكسب، نترك الأمانة إن كانت الأمانة هي الطريق إلى المكسب.
ترك السيد لأحد موظفيه 5 وزنات ذهب ، فلنقل 5 مليون جنيه ، وترك للثاني مليونين ، وللثالث مليون واحد ... لماذا !؟
كل على قدر طاقتة ...
يا لحكمة السيد !!
لكن ما الذي يستفيده الموظفين أنفسهم !؟
إن استثمار الأموال سيعود بالمكسب على السيد ، فهي أمواله ، وهم عبيده الذين يعتبروا هم أنفسهم من ممتلكاته !!
فما فائدة التعب ، والاستثمار لصالح شخصاً غيري ...
لكنه وضع أمواله بين يدي !
لم أطلب منه ..
لكنه سلمني أمواله !!
على أي حال ...
تنتهي القصة بثلاث نهايات
في نفس المثل نجد النهاية الأولى :
1-    الذي أخذ ال5 ملايين ربح مثلها ، والذي أخذ الملونين ربح مثلها ... كيف تسمي هذا؟! أمانة !! أخذوا وربحوا ، وسلموا كل شيء ... لم يلتصق شيئاً بكفة يد واحد منهما ... أما الذي أخذ المليون الواحدة فتركها ، كان أهون عليه أن يسلمها كما أخذها من أن يستثمرها لصالح شخصاً آخر ..
في قصة حنانيا وسفيرة نجد النهاية الثانية :  
2-    كان كل شيء معهم ، البيت والحقل والقرار ... لم يطلب منهم أحد أن يبيعا الحقل ويضعوا الأموال عند أقدام الرسل ... لكنهما باعا الحقل وأختلسا جزء من الثمن ... هذا الذي استحقا عليه الموت ...
أما النهاية الثالثة للمثل القديم فنجدها في قصة عبيد الكرم :
3-    لقد قتلوا أبن صاحب الكرم ليستولوا هم على كل شيء: ليصيروا أصحاب بعد أن كانوا مجرد عبيد أجراء !!
من هذا نرى 3 أمور :
1-   بداية الخيانة ، ترك أمور الله بعيداً عن خدمتنا وتكريسنا... والخطوة الثانية فيها هو احتساب جزء مما نعيد لله ملك لنا ، والخطوة الأخيرة أن نأخذ كل شيء، ونقتل- أو نستبعد- صاحب الوكالة ...
2-   إكرام الله لصاحب الخمس وزنات كان أكثر من الضعف ، لقد ربح 11 وزنة وليس عشرة ... وكأن الله زاد على مكسبه بالوزنة الأخيرة التي أخذها من الشخص الغير أمين ... وهذا معناه أن طريق المكسب هو طريق الأمانة وليس شيئاً آخر  ...
3-   عقاب عدم الأمانة واحد ... الموت ...
                                                                                   مع تحياتي ... وفيق